ممر التعمير في الصحراء الغربية

 وسيلة لتأمين مستقبل الأجيال القادمة في مصر

   مقدمة

 يُعِيد هذا المقال طرح مقترح كنت قد قدمته للحكومة المصرية في عام 1985م بغرض إنشاء طريق بالمواصفات العالمية في صحراء مصر الغربية يمتد من ساحل البحر المتوسط شمالاً حتى بحيرة ناصر في الجنوب وعلى مسافة تتراوح بين 10 و 80 كيلومتر غرب وادي النيل. يفتح هذا الممر آفاقاً جديدة للامتداد العمراني والزراعي والصناعي والتجاري حول مسافة تصل إلى 2000 كيلومتر. لم تتمكن الحكومة من الأخذ بالمشورة لأسباب مختلفة. ولأن مصر في حاجة ماسة إلى مخرج من الوضع الاجتماعي الصعب في الوقت الحالي بالذات، فإنني أُعيد طرح المقترح  عله يتم النظر فيه بجدية، وربما للتنفيذ بأموال مستثمرين من القطاع الخاص الوطني أولاً ثم العربي ثانياً ثم العالمي ثالثاً.

 يُعتبر النقل من أساسيات التقدم والازدهار على مر العصور. ونحن نعلم أن قيام الدولة المصرية القديمة منذ أكثر من خمسة آلاف عام اعتمد على النيل كطريق يربط شمالها بجنوبها حيث كانت تنتقل من خلاله الناس  والأخبار والغذاء والمنتجات والبضائع ورجال الأمن وجامعي الضرائب وكل ما يمثل كيان الدولة وسر بقائها. كذلك اعتمد الإغريق والرومان والعرب على تسهيل وتأمين النقل في جميع أرجاء حضاراتهم. وفي العصر الحالي نَمَت أوروبا الحديثة بعد إنشاء شبكات الطرق السريعة فيها. وكذلك تفوقت أمريكا على باقي العالم الغربي باستخدام ثرواتها الطبيعية أحسن استخدام، مما استدعى إنشاء شبكة متميزة من السكك الحديدية والطرق في جميع أرجائها.

 وبالنسبة لنا في مصر لا يصِح إنشاء شبكة طرق جديدة في وادي النيل والدلتا لأن في ذلك اعتداء على الأرض الزراعية المُعتدي عليها أصلاً نتيجة النمو الكبير للكتل السكانية العشوائية وغير المُرخَص لها في أغلب الأحيان. هذه الأراضي الخصبة رسبها نهر النيل العظيم على مدى ملايين السنين. ولقد تكدس سكان مصر في مساحة محدودة منها نتيجة الزيادة المستمرة في عدد السكان، ولا يعقل أن نستمر في العيش على 5% من مساحة أرضنا مع الاستمرار في البناء فوق التربة الزراعية. لذلك فلابد من فتح آفاق جديدة للتوسع العمراني والزراعي والتجاري خارج نطاق وادي النيل الضيق. 

يؤهل المقترح الحالي، إضافة إلى تسهيل النقل بين أطراف الدولة، الحد من التوسع العمراني في وادي النيل والدلتا بفتح آفاق جديدة للنمو بالقرب من التجمعات السكانية الكبرى ومجالات لا حصر لها في استصلاح أراضٍ صحراوية وإنشاء مشاريع جديدة للتنمية في مجالات الصناعة والتجارة والسياحة. كما يُعطي المقترح أملاً جديداً لأجيال المستقبل باستخدام أحد عناصر الثروة الطبيعية وأقربها إلى التجمعات السكانية الحالية وهو الشريط المتاخم لوادي النيل في الصحراء الغربية.

 لقد أُختِير هذا الجزء من الصحراء الغربية بُناءً على خبرة في تضاريس مصر وإمكاناتها التنموية. ويتكون الشريط المتاخم لوادي النيل من هضبة مستوية بميل بسيط من الجنوب إلى الشمال بموازاة النيل. ولا تقطع المنطقة أودية تهددها السيول كما هو الحال في شرق النيل. كذلك تتواجد مساحات شاسعة من الأراضي التي يسهُل استصلاحها لإنتاج الغذاء إضافة إلى احتمالات تواجد المياه الجوفية. هذا الشريط بالذات تقل فيه الرمال ولا تتقاطع معه خطوط الكثبان الرملية. وكما هو الحال في باقي الصحراء الغربية تشتد أشعة الشمس والرياح مما يسمح باستخدام هذه المصادر للطاقة المتجددة في المستقبل. بناءً على ما تقدم يتضمن مقترح ممر التعمير إنشاء ما يلي: 

  1. طريق رئيسي للسير السريع بالمواصفات العالمية يبدا من غرب الإسكندرية ويستمر حتى حدود مصر الجنوبية بطول 1200 كيلومتر تقريباً.
  2. أثنى عشر فرعاً من الطرق العرضية التي تربط الطريق الرئيسي بمراكز التجمع السكاني على طول مساره بطول كلي حوالي 800 كيلومتر.
  3. شريط سكة حديد للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي.
  4. أنبوب ماء من بحيرة ناصر جنوباً وحتى نهاية الطريق على ساحل البحر المتوسط.
  5. خط كهرباء يُؤمِن توفير الطاقة في مراحل المشروع الأولية.
Mamar_map

 

 1.  الطريق الرئيسي

يمثل الطريق العالمي من الشمال إلى الجنوب العنصر الأساسي لممر التعمير. يبدأ الطريق على ساحل البحر المتوسط في موقع يتم اختياره بين الإسكندرية والعلمين، ويؤهل إنشاء ميناء عالمي جديد يُضاهي الموانئ العالمية الكبرى في المستقبل. يُؤخَذ في الاعتبار الحاجة إلى توفير استخدام تكنولوجيا المعلومات الحديثة في التعامل السهل السريع مع الصادرات والواردات والبضائع المؤقتة. ويُعيد مثل هذا الموقع المكانة المرموقة للإسكندرية بين المواني العالمية.

 يتكون الطريق الرئيسي من ثمانية ممرات على الأقل، اثنين لسيارات النقل واثنين للسيارات الخاصة ذهاباً وإياباً. كما يلزم أن يُمهد الطريق وفق المواصفات العالمية التي تسمح بالسير الآمن السريع دون توقف إلا في حالات الطوارئ ومحطات الاستراحة والوقود ومراكز تحصيل رسوم السير. وربما يستدعي تأمين صلاحية الطريق إنشاء مؤسسة خاصة تقوم بتحصيل الرسوم اللازمة لهذا الغرض على مشارف الطرق العرضية.

 2. الطرق العرضية

يشتمل المقترح على اثنى عشر طريق عرضي يربط كل منها الطريق الرئيسي بموقع من مواقع التكدس السكاني في الدلتا وبموازاة وادي النيل. تسمح هذه الطرق بالامتداد العمراني غرباً في هذه المواقع رويداً رويداً وتضيف بُعداً جغرافيا لعدد من المحافظات التي تعاني من الاختناق في الوقت الحالي. ويجب ألا يُسمح إطلاقا بالنمو العوشائي في تلك المناطق بل يجب أن يسبق التخطيط والتنظيم والخدمات للنمو الحضري لها.ً وتسمح هذه الطرق العرضية التنقل بين المحافظات بسرعة ويُسر كما تؤمن النقل السريع بينها وبين العالم الخارجي. وعلى سبيل المثال، تشمل الطرق العرضية المقترحة ما يلي:

 فرع الإسكندرية

يمتد هذا الفرع من الطريق الرئيسي غرباً ليصل إلى مدينة الإسكندرية ومينائها ومطارها الدولي. ويمكن أن يستمر الفرع شرقاً حتى طريق الدلتا الساحلي إلى رشيد ثم دمياط. وبذلك يربط هذا الفرع الطريق الرئيسي للممر بشمال الدلتا بأكملها.

 فرع الدلتا

لربط الطريق الرئيسي بمنتصف منطقة الدلتا ربما في مدينة طنطا. مثل هذا الفرع يتطلب المحافظة على الأراضي الزراعية في مساره وربما يتطلب كباري جديدة على فرع رشيد وقنوات الري والصرف. الجزء الغربي من هذا الطريق يُرصف على صحراء قاحلة وقابلة للاستصلاح وتمثل بعدا جغرافياً جديداً لمحافظة الغربية أكثر محافظات الدلتاً اختناقاً على الإطلاق.

فرع القاهرة

يؤهل هذا الفرع ربط الطريق الرئيسي بطريق مصر – اسكندرسة الصحراوي ثم بأكبر تجمع سكاني في قارة إفريقياً باكملها، ألا وهي محافظة القاهرة. ويمكن لهذا الفرع أن يستمر شرقاً إلى المعادي ومنها إلى طريق السويس كي يربط الميناء الجديد بميناء السويس. ويؤهل ذلك نقل البضائع برياً من البحر المتوسط غرب الإسكندرية إلى البحر الأحمر عبر خليج السويس، كمجال إضافي للنقل البحري عبر قناة السويس.

    فرع الفيوم

يؤهل هذا الطريق تنمية الصحراء في شمال وغرب منخفض الفيوم، ومنطقة غرب الفيوم بالذات يمكن تنميتها صناعياً لإبعاد الصناعات مثل صناعة الأسمنت عن المواقع السكنية لتحسين البيئة فيها. 

 فرع البحرية

يؤهل هذا الفرع وصل الطريق الرئيسي بالواحات البحرية في اتجاه جنوب غرب الجيزة، وبذلك يؤهل الفرع الوصل بين واحات الوادي الجديد الشمالية والطريق الرئيسي. ويسمح الفرع بالتوسع في السياحة في منخفض البحرية وكذلك استخدام ثرواتها المعدنية وخاصة رواسب الحديد.

 فرع المنيا

يفتح هذا الفرع أفاقاً جديدة للنماء غرب وادي النيل في منطقة تكتظ بالسكان وتحتاج إلى التوسع في العمران لا سيما نظراً لوجود جامعة بها. هذا بالإضافة إلى الحاجة لعدد من المدارس ومعاهد التدريب.

 فرع أسيوط

يمكن إعادة كل ما قِيل عن فرع المنيا، إضافة إلى أن هذا الفرع يؤهل السير على طريق الواحات الخارجة وباقي واحات محافظة الوادي الجديد. 

فرع قنا

يوصل هذا الطريق إلى منطقة واسعة يمكن استصلاح أراضيها تقع جنوب مسار نهر النيل بين مدينتي قنا ونجع حمادي. تكونت التربة في هذه المنطقة نتيجة لترسيب الأودية القديمة مما يعني أيضاً احتمال وجود مياه جوفية يمكن استخدامها في مشاريع الاستصلاح.

 فرع الأقصر

يؤهل هذا الطريق امتداد غير محدود للمشاريع السياحية المتميزة فوق الهضبة وغرب وادي النيل بالقرب من أكبر تجمع للآثار المصرية القديمة في الأقصر. إضافة إلى ذلك يمكن استثمار الطبيعة الفريدة في منخفض الخارجة بالإضافة إلى الواحات العديدة والكثبان الرملية الباهرة.

 فرع كوم أمبو وأسوان

يعبر هذا الفرع سهلاً واسعاً يمثل مجرى قديم للنيل ولذلك تغطيه تربة خصبة صالحة للزراعة. ولأسباب جيولوجية بدأ مجرى النيل الهجرة شرقاً حتى وصل إلى موقعه الحالي. ولذلك يمكن استخدام المياه الجوفية المُختَزنة منذ قديم الزمن في استصلاح هذا السهل الخصيب. إمتداد الفرع في اتجاه الجنوب الشرقي يربط ما بين الفرع وبين الطريق الرئيسي ومدينة أسوان، مما يسهل نقل المنتجات المحلية إلى المحافظات الشمالية علاوة على التنمية السياحية عبر تيسير زيارة المواقع السياحية في منطقة أسوان. إضافة إلى ذلك يؤهل الطريق تنمية مطار أسوان للتجارة العالمية.  

فرع توشكي

يهبط الطريق الرئيسي من الهضبة حيث يتم وصله بعدة أماكن حول منخفض توشكي. لقد تم حفر قناه لتوصيل ماء النيل من بحيرة ناصر إلى منخفض توشكي بغرض استصلاح الأراضي المحيطة بالبرك التي تكونت في المنخفض. هذا المشروع يستدعي عدة سبل للنقل السريع إلى المحافظات الشمالية ومنافذ التصدير معاً. كما يؤهل هذا الفرع وصل المنطقة بالطريق الرئيسي ويُسهِم في نجاح مشاريع التنمية في منطقة توشكي. 

فرع بحيرة ناصر

تمثل بحيرة ناصر موقعاً متميزاً لتنمية الثروة السمكية وصيد الأسماك، وخاصة إذا تم تسهيل نقلها إلى مواقع التكدس السكاني في المحافظات الشمالية، ويمكن أن يتم ذلك في موقع يتم اختياره شمال معبد أبو سنبل. 

3.  السكة الحديدية

يشتمل ممر التعمير المقترح على شريط سكة حديدية للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي. تؤهل هذه الوسيلة نقل الناس والبضائع والمنتجات من جنوب مصر حتى ساحل البحر المتوسط لاسيما وأن السكة الحديدية الحالية تُعاني من الكهولة. كما لا يصِح إنشاء سكة حديدية جديدة داخل وادي النيل لأن في ذلك تعدي على الأراضي الزراعية.

 تؤهل السكة الحديدية للنقل السريع شحن الأسماك من بحيرة ناصر التي تذخر بالثروة السمكية إلى مواقع التكدس السكاني في شمال وادي النيل. كذلك تُمكِن الوسيلة من الاستخدام الأمثل في الصناعات العديدة كصناعة الألمونيوم في نجع حمادي. فتواجد السكة الحديدية الجديدة سوف يجعل النقل من الميناء إلى المصنع ثم نقل المُنتَج من المصنع إلى السوق يتم في سهولة ويسر وبتكلفة أقل، هذا بالإضافة إلى الحد من الزحام الناتج عن حركة الشاحنات على الطريق الزراعي الحالي. 

4.  أنبوب الماء

يلزم توفير الماء الصالح للشرب بطول الممر المقترح فوق هضبة الصحراء الغربية. يُفضل نقل الماء من بحيرة ناصر أو قناة توشكي داخل أنبوب لمنع البخر أو تسرب الماء في الصخور. ويشمل التخطيط لمشاريع التنمية المختلفة على طول الممر استخدام المياه الجوفية في الزراعة والصناعة، ولكن الحاجة إلى الماء للاستخدامات البشرية خلال المراحل الأولى للمشروع يتطلب توفير الأنبوب المذكور. 

ربما يلزم المشروع خلال تلك المرحلة أنبوب قطره متر واحد أو متر ونصف. وهذا ليس بكثير لأن ليبيا قد أقامت النهر الصناعي العظيم لنقل الماء العذب من آبار صحرائها في الجنوب إلى مدنها على ساحل البحر المتوسط في أنبوب قطره أربعة أمتار وبطول 2000 كيلومتر. وكما هو الحال في ليبيا، بعد ضخ الماء إلى مستوى الهضبة يتم نقله من الجنوب إلى الشمال بالميل الطبيعي لسطح شمال إفريقيا. 

5.  خط الكهرباء

يلزم للمقترح إنشاء خط كهرباء للإنارة والتبريد على طول الطريق الرئيسي، وخاصة لأن مسار الطريق يمر في منطقة صحراوية لا تتواجد فيها متطلبات التنمية الأساسية، خلال المراحل الأولى للمشروع. في نفس الوقت يجب تشجيع مشاريع التنمية العمرانية والزراعية والصناعية والسياحية المُنَظمَة واستخدام مصادر الطاقة المستدامة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح. 

مزايا المشروع

يلزم لأي مقترح لمشروع تنموي دراسة الآثار الجانبية له وخاصة من الناحية البيئية. ولأن المشروع المقترح يقلل من تدهور البيئة في وادي النيل فهذا يعتبر إحدى مزاياه العديدة. الجانب الأساسي الذي يجب دراسته هو الجدوى الاقتصادية للمشروع، أى مدى نجاحه المؤكد من ناحية الاستثمار، وهذا يتم من خلال دراسة جدوى جريها المختصون بناءً على بيانات حقيقية ومنطقية. أما المزايا والمنافع المنتظرة للمشروع فعديدة، نوجز منها مايلي:

  • الحد من التعدي على الأراضي الزراعية داخل وادي النيل من قِبَل القطاع الخاص والحكومي معاً.
  • فتح مجالات جديدة للعمران بالقرب من أماكن التكدس السكاني
  • إعداد عدة مناطق لاستصلاح الأراضي غرب الدلتا ووادي النيل
  •  توفير مئات الآلاف من فرص العمل في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والإعمار.
  •  تنمية مواقع جديدة للسياحة والاستجمام في الصحراء الغربية بالشريط المتاخم للنيل
  • الإقلال من الزحام في وسائل النقل وتوسيع شبكة الطرق الحالية.
  • تأهيل حياة هادئة ومريحة في بيئة نظيفة تسمح للبعض بالابداع في العمل
  • ربط منطقة توشكي وشرق العوينات وواحات الوادي الجديد بباقي مناطق الدولة.
  • خلق فرص جديدة لصغار المستثمرين للكسب من مشاريع في حقول مختلفة
  • مشاركة شريحة واسعة من الشعب في مشاريع التنمية مما ينمي الشعور بالولاء والانتماء.
  • فتح آفاق جديدة للعمل والتمتع بثمار الانجاز في مشروع وطني من الطراز الأول
  • خلق الأمل لدى شباب مصر وذلك بتأمين مستقبل أفضل.

 وسيلة الانجازمع أن تنفيذ المقترح الحالي قد نُوقِش منذ عشرين عاماً مع الحكومة المصرية ولكنه يُعرض الآن كمشروع للقطاع الخاص وذلك لأسباب كثيرة. في بداية الاقتراح قدر المختصون تكلفة المشروع بحوالي ستة بلايين دولار، أما الآن فربما تبلغ تكلفة البنية التحتية له أربعة أضعاف هذا الرقم. وهذه القيمة ليست بالكثير في الوقت الحالي لاسيما أنها تؤمن مستقبل شعب بأكمله وتنقذ مصر من الوضع الاقتصادي المُتردي في هذا الوقت بالذات. وربما تمكن المستثمرون من تأمين المبلغ المطلب لتنفيذ المشروع عبر بيع الأراضي الصالحة للإعمار على جانبي الطرق العرضية في بداية المشروع، ونحن نعلم أن أسعار أراضي البناء تزداد بسرعة خيالية حالياً. 

يتطلب المقترح دراسة مستفيضة بواسطة أهل الخبرة في المهن المختلفة، وياحبذا أن يكون من يقوم بالدراسات المطلوبة، بدعم من القطاع الخاص المَعنِي، خبراء في مراكز الأبحاث والجامعات حتى نتحقق أن المقترح يتم تقييمه جدياً بواسطة أهل الخبرة والمعرفة في جميع المجالات. في نفس الوقت يجب مناقشة مثل هذا المشروع الحيوي في البرلمان لكي يمكن سن القوانين واتخاذ الاجراءات التي تحمي الناس من الروتين الحكومي أو استغلال بعض العاملين في القطاع الخاص.

 وياحبذا لو بدأ التفكير منذ لحظة الانطلاق بمشاركة أوسع شريحة ممكنة من الناس. فيمكن لكل محافظة مثلا البدء في إعداد قائمة بمشاريع التنمية وأولوياتها بناءً على احتياجاتها الحقيقية وفي ضوء مواردها من العمالة الفنية اللازمة وقدراتها الأخرى. وفي نفس الوقت يجب عدم السماح باستقطاب عمالة أجنبية للعمل في المشروع مهما كانت الأسباب لأن المصري أو المصرية يمكن تدريبهما للقيام بأي عمل كان وبأعلى مستويات الأداء العالمية. 

وكذلك يمكن تشجيع شباب الجامعات من خلال مسابقات لاختيار مشاريع تنمية تُقام في محافظاتهم. حتى طلبة المدارس يمكنهم المشاركة بمسابقات لاختيار أسماء الطرق العرضية والمدن والقرى التي سوف تنشأ على جوانبها. مشاركة الشباب هامة للغاية لأن الهدف من المشروع هو تأمين مستقبلهم عبر إتاحة فرص عمل لانهائية أمامهم. 

معنى ذلك أن الباب مفتوح على مصراعيه لمشاركة من يود أن يدلو بدلوه على شرط أن تكون الأفكار المقدمة ليس الغرض منها هو الكسب الشخصي الضيق والمحدود، ولكنها تصب أولاً وأخيراً في الصالح العام. وهكذا تتقدم الدول ويعمل الناس بعزم ونشاط وولاء وانتماء وتزدهر الحياة مرة أخرى في وادي النيل الخالد. 

خاتمة

عادت حفيدتي ياسمين (10 سنوات) من مدرستها في واشنطن لتخبر أمها أن المُدرِسة ذكرت إسم مصر في أول درس من دروس التاريخ، وأضافت أن المُدرِسة قالت إن التاريخ يعيد نفسه وسألت أمها هل هذا صحيح؟ فعندما أجابتها الأم بالإيجاب سالت بحماس شديد: هل هذا يعني أن مصر يمكن أن تعود عظيمة مرة أخرى؟

 الإجابة على سؤال هذه الصغيرة، التي تعيش بعيداً ولكنها تحتفظ بذكرى مصر في قلبها وعقلها، يستدعي التفكير الثاقب والعمل الدؤوب في سبيل رفعة هذا البلد الذي يستحق موقعاً متقدماً بين الأمم. 

فمصر كانت على مدي العصور منبعاً للحضارة والفكر والعلم والثقافة والفن والبناء وحسن الأداء. ولكن بين آونة وأخرى تخبو فيها شعلة الحضارة وينطوي شعب مصر على نفسه وكأنه في غيبوبة لا يعي بما يدور حوله في العالَم، ولكن سرعان مايفيق هذا الشعب العظيم من الغثيان وينتفض بكل حيوية ونشاط لكي تتوهج شعلة الحضارة مرة أخرى في أرض مصر. 

ويمكنني القول أن العرب في كل مكان ينتظرون رفعة مصر لأن في ذلك رفعتهم جميعاً. ولم يكن للعرب مكانة في أي وقت من الزمان إلا في وجود مصر القوية كالعمود الفقري الذي تلتف حوله البلدان العربية جميعاً.

 أثبت تاريخ الأمم أنه منذ خلق الله الانسان على سطح الأرض ازدهرت الحضارة بين أي مجموعة من الناس إذا توافرت في مجتمعهم ثلاثة مقومات أساسية هي:

  1. إنتاج فائض من الغذاء مما يجعل الناس تنمو أجسادهم قوية ومخيلاتهم حصيحة.
  2.  تقسيم العمل بين أفراد المجتمع تقسيماً مناسباً والذي يستدعي ترقية أهل الخبرة والمعرفة وحسن الإدارة (وليس أهل الثقة) على جميع المستويات.
  3. تأهيل الحياه الكريمة في المدن بحيث لا ينشغل الناس فقط بالبحث عن قوتهم ويعيشون في بيئة صالحة لكي يتمكن البعض منهم من الابداع والابتكار في عملهم.

 إذاً لن تعود مصر دولة عظيمة مرة أخرى إلا إذا تحسنت أوضاعنا بالنسبة إلى المقومات الثلاثة السابقة. وبناءً على مزايا ومنافع المقترح المذكور فإن ممر التعمير المقترح بموازاة الدلتا ووادي النيل في الشريط المتاخم من الصحراء الغربية يمكنه أن يؤهل للوصول إلى الغرض المنشود خلال عقد أو عقدين من الزمان على الأكثر. كما أن من شأنه أن يُخرِج مصر من الوضع الحالي بمآسية المختلفة. لذلك فإنني مقتنع تماماً أن المشروع المقترح يمكن أن يعيد الحيوية والانتاجية لشعب مصر ويؤهل لهذا البلد الطيب المعطاء الوصول إلى موقع متميز بين أعظم بلدان العالم مرة أخرى.

 فاروق الباز

  مدير مركز أبحاث الفضاء بجامعة بوسطن الأمريكية 

أستاذ غير متفرغ بجامعة عين شمس بالقاهرة

Who's Online

We have 52 guests and no members online

Statistics

Articles View Hits
1283660

Slideshow

Go to top